محمد جمال الدين القاسمي
103
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
قال العلامة البقاعيّ : ثم بعد هلاكهم أدخلها بنيهم الذين ولدوا في التيه . وفي هذه القصة أوضح دليل على نقضهم للعهود التي بنيت السورة على طلب الوفاء بها ، وافتتحت بها ، وصرح بأخذها عليهم في قوله : وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ . . [ المائدة : 12 ] الآيات ، وفي ذلك تسلية للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم فيما يفعلونه معه ، وتذكير له بالنعمة على قومه بالتوفيق ، وترغيب لمن أطاع منهم ، وترهيب لمن عصى . ومات في تلك الأربعين ، كل من قال ذلك القول أو رضيه حتى النقباء العشرة . وكان الغمام يظلّهم من حرّ الشمس . ويكون لهم عمود من نور بالليل يضيء عليهم . وغير هذا من النعم ، لأن المنع بالتيه كان تأديبا لهم . لا غضب . إذ أنهم تابوا . ثم ساق البقاعيّ - رحمه اللّه - شرح هذه القصة من التوراة التي بين أيديهم بالحرف . ونحن نأتي على ملخصها تأثرا له ، فنقول : جاء في سفر ( العدد ) في الفصل الثالث عشر : إن شعب بني إسرائيل لمّا ارتحلوا من حصيروت ونزلوا ببرّية فاران ، كلم الرب موسى بأن يبعث رجالا يجسّون أرض كنعان . من كل سبط رجلا واحدا ، وكلهم يكونون من رؤساء بني إسرائيل ، فأرسلهم موسى وأمرهم أن ينظروا إلى الأرض . أجيدة أم رديئة ؟ وإلى أهلها ، أشديدون أم ضعفاء ؟ قليلون أم كثيرون ؟ وأن يوافوه بشيء من ثمرها . فساروا واجتسّوا الأرض من برية صين إلى رحوب عند مدخل حماة ، ثم رجعوا بعد أربعين يوما . وكان موسى وقومه في برية فاران في قادش ، فأروهم ثمر الأرض ، وقصّوا عليهم ما شاهدوه من جودة الأرض ، وأنها تدرّ لبنا وعسلا . ومن شدة أهلها وقوتهم وتحصن مدنهم ؛ فاضطرب قوم موسى . فأخذ كالب - أحد النقباء - يسكتهم عن موسى ويقول : نصعد ونرث الأرض فإنا قادرون عليها . وخالفه بقية النقباء وقالوا : لا نقدر أن نصعد إليهم لأنهم أشدّ منّا . وهوّلوا على بني إسرائيل الأمر وقالوا : شاهدنا أناسا طوال القامات ، سيما بني عناق . فصرنا في عيوننا كالجراد . وكذلك كنا في عيونهم . فعند ذلك ضجّ قوم موسى ورفعوا أصواتهم وبكوا وقالوا : ليتنا متنا في أرض مصر أو في هذه البرية ، ولا تكون نساؤنا وأطفالنا غنيمة للجبابرة . وخير لنا أن نرجع إلى مصر . وقالوا : لنقم لنا رئيسا ونرجع إلى مصر . فلما شاهد موسى ذلك منهم وقع هو وأخوه هارون على وجوههما أمام الإسرائيليين . ومزّق ، من النقباء ، يوشع بن نون وكالب ، ثيابهما . وكلّما بني إسرائيل قائلين : إن الأرض التي مررنا فيها جيدة ، وإذا كان ربنا راضيا عنا فإنه يدخلنا إياها . فلا تتمردوا ولا تخافوا أهلها فسيكونون طعمة لنا . إذ الرب معنا فلما سمع بنو إسرائيل كلام يوشع وكالب قالوا : ليرجما بالحجارة ، وكاد